أنا

أنا

الخميس، 29 ديسمبر 2016

النظام الطبيعي



الهدف الرئيسي من عيش الكائنات الحية في جماعات كان ما يسمي بالإيثار المتبادل فهذه التحالفات التي شكلتها الكائنات الحية بما فيها الإنسان كان أساسها تبادل المصالح..ولكن دائما ما وجدت مخاطرة أن أحد أعضاء التحالف قد يحصل على فوائد دون تحمل أية تكاليف فيما يسمى بمشكلة المتقاعسين..ولا يمكن للكائنات أن تعيش في جماعات دون حل هذه المشكلة..كلما تعرض المتقاعسون للخطر أو الجوع هب بقية أعضاء التحالف لنجدتهم معرضين أنفسهم للخطر ومانحين إياهم بعضا من طعامهم الشحيح..وبمنظور تطوري سيكون المتقاعس أكثر نجاحا في البقاء والتناسل مقارنة بالأذكياء والمفعمين بالحيوية وستصير الجينات الخاصة بالتقاعس أكثر شيوعا وفي نهاية المطاف ستتحول الجماعة بأكملها إلى مجموعة من المتقاعسين..وقد حلت الجماعات هذه المشكلة بالاعتماد على التبادلية الصارمة والمحاسبة الاجتماعية وطريقة واحدة بواحدة إلا فيما يتعلق بالأبناء والأقارب على حسب درجة القرابة لاعتبارات أخرى لها علاقة بأن الجينات تحمي بقاءها وتمريرها إلى الأجيال التالية فيما يعرف بالجين الأناني..تستطيع باستخدام هذه النظرة العلمية البحتة والمجردة-التي تم اختذالها بشدة للتبسيط- التفريق بين النظام الاقتصادي الطبيعي القادر على الاستمرار والتطور والنظام الذي يبقي ويدعم وجود المتقاعسين وسيطرتهم على حركة المجتمع وأولوياته.

.....


 
إن الخرافات تجلب سوء الحظ 
-رايموند سموليان عام 5000 قبل الميلاد
****
 يكفيني وقت قصير أجلس فيه في مكتبة حقيقية أنظر لإبداعات البشر عبر التاريخ..هوميروس فرجيليوس..سقراط أرسطو..باموق محفوظ هيمنجواي يوسا ساراماجو ماركيز إيكو..دوستويفسكي تولستوي..دانتي شكسبير جوتة..أينشتين تسلا داروين ساجان..موراكامي مو يان..مجرد أمثلة فالقائمة لا تنتهي أبدا..أقول يكفيني وقت قصير لأدرك أن الوجود الإنساني أكبر وأعظم من أي تصورات محدودة وأنه إن كان للوجود البشري غاية فهي أكبر وأعظم من الصورة التي يرسمها كل جماعة من البشر عن أنفسهم.

...



السهولة التي تبعث بها برسالة إلى شخص ما اليوم لتصل إليه في ثوان -ربما ثانيتين-..أكره هذا..كنت أتمنى أن أعيش في حقبة سابقة تستغرق فيها الرسالة دهرا حتى تصل..أن يتمهل الشخص في كتابة رسالته لي ويبذل بعض المجهود ليجعلها تخرج بشكل ملائم..أن أقرأ من خلال الورق مشاعره في لحظة كتابتها..ربما كتبها وهو منفعل فأرى آثار تعرق يديه..ربما كتبتها بعد أن ارتدت ملابسها فأشم أثرا من العطر الذي وضعته..ربما كتبت في عجالة فيظهر الخط مهتزا أو عند غروب الشمس مع نسمة من الهواء المعطر برائحة حوض من الزهور فيبدو جميلا منمقا..أن تكون لدي القدرة على الاحتفاظ بهذا الأثر المادي الحقيقي فأستطيع أن أمسكه في يدي واسترجع كل تلك التفاصيل الصغيرة.. وأشعر بأثر الزمن عليه فكأنني هو أو كأنه أنا.

قدرات غير عادية (2015)



داود عبد السيد يزدحم دماغه بالأفكار والانطباعات واللوحات الفنية فيقرر تكديسها في فيلم واحد وهي تستوعب أكثر..يستطيع داود دائما أن يلتقط تلك الحياة الطبيعية الساحرة التي تدور على هامش حياتنا ومجتمعاتنا التي تشوهت تقاوم الموت، مرة أخرى كما فعل في رسائل البحر من قبل ويبدو أنه لكي تقول ما تريد في مجتمعنا فعليك أن تلجأ دوما للرمز كما فعل نجيب محفوظ..مطرب أوبرالي ممثلا للموسيقى الغربية وأزهري مع عوده كممثل للطرب الشرقي وأستاذ فنون جميلة رسام ومخرج أفلام وثائقية إيطالي يصور فيلما عن عاهرات موانيء البحر المتوسط فينتهي به الأمر وقد تزوج مصرية منهم-مجتازا الفروق الدينية والثقافية -يجتمع هؤلاء في بنسيون بسيط التصميم على بحر الأسكندرية تملكه سيدة اسمها ((حياة)) مع ابنتها ((فريدة)) التي هي فريدة بالفعل بقدراتها..هناك رسالة مزدوجة في اسم صاحبة البنسيون..الأولى تقول أن الأنثى هي الحياة-داود عبد السيد يعرف كيف يختار وكيف يخرج تلك الطبيعة المغوية المعقدة للأنثى من ممثلاته كما فعل من قبل مع بسمة في رسائل البحر-..والثانية من اجتماع الفن بأشكاله المختلفة داخل البنسيون المنعزل وتقول بأن الفن هو الحياة وأنه يعيش حالة من العزلة..هنا يصل((يحيى)) الذي هو طبيب موضوع البحث في رسالته عن القدرات الخارقة للبشر..الطفلة تمتلك قدرات التخاطر والاستبصار ويتضح بعد ذلك قدرتها على إشعال الحرائق ذهنيا..الطبيب يمتلك القدرة على تحريك الأشياء عن بعد وتحديد مواقع الأشخاص دون أن يدري..نلاحظ ارتباط هذه القدرات برغبة الشخص في الوصول لهدف ما أو شيء ما أو الرغبة في الحياة كما في حالة الطبيب والطفلة وكذلك الشيخ الصوفي في شوقه لله بينما اختفت هذه القدرات من الأم بعد أن فقدت شغفها في الحياة..أن الرغبة في الحياة والسعي وراء شيء ما يخلق لدينا قدرات غير عادية....هناك لوحتين فنيتين رئيسيتين أحدهما لعم ((حبيب الله))-لاحظ الاسم-فراش البنسيون النوبي وهو يرقص سكيرا على شاطيء البحر وسط الرياح ورذاذ الأمواج منتشيا والثانية للسيرك المتنقل بألوانه وبهجته الذي يمر أمام البنسيون وكأنه قافلة للسعادة..جميع الشخصيات تتناول الخمور وتدرك قيمتها جيدا في جعل الأمور أكثر سلاسة ورحابة وسهولة إما في حالات الاستمتاع والأمسيات الجميلة مع الموسيقى والحكايات الحميمية التي يناسبها النبيذ ، اجترار ذكريات ما أو النسيان يحتاج لشيء أقوى كالويسكي أو الفودكا..هناك إشارات لأسباب التشوه التي تأبى أن تترك هذا البنسيون المنعزل وقاطنيه أو أي شيء جميل باقي كالسيرك في سلام متمثلة في العصبية الدينية وموظفي الدولة ممثلين هنا في أجهزتها الأمنية..ينتهي الفيلم وأنت تدرك أن القدرة غير العادية هي قدرة الإنسان على أن ((يحيى))((حياة))((فريدة))..هي رحلة بحث عن حياة حقيقية .

بروفة الموت


الثانية بعد منتصف الليل.أتمدد على السرير في إحدى العيادات بمستوصف شعبي على أطراف القاهرة وفي يدي رواية لأجاثا كريستي مصفرة الأوراق ابتعتها من على الرصيف في طريقي إلى هنا بجنيهين،أحتاج من وقت لآخر لرواية كهذه. أنهض لأعد لنفسي كوبا من الشاي يساعدني على تمضية السهرة.أضيف الشاي من برطمان مايونيز قديم ثم السكر ثم أسحق بقدمي حشرة غريبة الشكل تتحرك على الأرضية،تنطفئ الغلاية فأصب المياه الساخنة وأحمل كوبي إلى الخارج.في الاستقبال أجد عم خليل الذي يقوم بدور الموظف وحارس الأمن يضع بطانية على كتفيه ويمدد قدميه على مقعد مقابل يشاهد مسلسل رخيص على التليفزيون.أقف في مدخل المستشفى وأشعل سيجارة أحصل منها على نفس عميق أتبعه برشفة من كوب الشاي وأعبث بهاتفي،بعد دقائق يتبعني عم خليل ويشعل سيجارته ويقول:((هل تعجز عن النوم يا دكتور؟)) أجيبه بنعم فيبدأ في الثرثرة وأنا أرد عليه بنصف انتباه،يقدم لي سيجارة أخرى ثم يشعلها لي ويقول:(( الفتاة التي كانت هنا منذ قليل أعرفها من عملي السابق في الملهى الليلي..كانت تعمل هناك وكنا نسميها*هناء القطر*))،اسمع اسمها فانطلق في الضحك فيتشجع أكثر ويبدأ في سرد حكايات عنها:((طيب أنت عارف يا دكتور..هناء هذه كانوا يعملوا عليها حفلة بخمسين جنيه..اه والله..ولما تأتي لي تحلف ألا تأخذ مليما..أصيلة بنت القحبة)) أقول له أننا كنا في حاجة لأن نعمل حفلة الليلة فينطلق في الضحك، أقول له أن يذهب فيجلب لنا بعض أقراص الطعمية والجبن والعيش الساخن فيأخذ النقود ويخرج.وقفت انتظر قدومه مشعلا سيجارة أخرى وأنا أتابع طابورا من النمل يتحرك على الحائط المقابل،أرى تلك السيدة العجوز تتقدم تجاهي من المدخل ممسكة بطفلة صغيرة في يدها ترتدي معطفا صوفيا ثقيلا أسودا على جوبة من نفس اللون تبرز كاحليها الضامرين المغطيين بجوارب ثقيلة وتلف رأسها بغطاء رأس بني اللون يبرز من تحته شعرها ناصع البياض ويبدو وجهها المجعد النحيف وأنفها الطويل الذي تبرز منه شعيرات صغيرة على النقيض تماما من الطفلة ببشرتها الناعمة وشعرها الفاحم القصير وفستانها الكاروهات الأحمر،تخبرني بأنها تريدني في كشف بالمنزل في اللحظة التي يدخل فيها عم خليل حاملا الأرغفة الساخنة يعلوها الطعمية والمخلل والجبن،أحضر الحقيبة من الداخل وأقول له أن ينتظرني فيبتسم وبينما أغادر التفت له لأجده يأخذ قضمة ممتلئة من قرص طعمية كبير فأسبه في سري.
 أسير مع المرأة والصغيرة في الشوارع المظلمة متفاديا القمامة والنقر الممتلئة بمياه المجاري،تأخذني من شارع إلى شارع أصغر يتناثر هنا وهناك شاب أو أكثر يدخنون الحشيش وآخرون يلتفون حول كلب جيرمان وصاحبه ومجموعة من الصبية يركلون كرة فيما بينهم ورجل يجلس في قهوة على الناصية مع حجر معسل أخير قبل أن يخلد إلى النوم. تأخذني إلى زقاق مظلم ثم إلى مدخل بيت يضيئه مصباح أصفر واهن ونصعد على سلم قذر إلى الدور الثالث،تطرق الباب فتفتح لنا امرأة أخرى تجاوزت السبعين بدورها وتقول لي أن اتفضل يا دكتور،أتقدم إلى صالة واسعة فتشير إلى غرفة في ركنها البعيد ويتقدمن دون أن تفلت العجوز يد الطفلة الصغيرة التي لم أسمع صوتها حتى هذه اللحظة،أدلف إلى الحجرة لأجد ستة من الرجال والسيدات العجائز على مقاعد في أركان الحجرة بينما ترقد عجوز ضامرة على فراشها،أتقدم منها وأجلس على مقعد مجاور لها،وجهها نحيف للغاية وقد انثنت شفتيها للداخل على فم خال تماما من الأسنان وتناثرت على رأسها شعيرات بيضاء قليلة وبشرة زرقاء شاحبة،تنظر ساهمة أمامها ثم تدير رأسها لي وتبتسم ابتسامة واسعة تضيق معها عينيها الذابلتين،أرفع غطاءها وأبدأ في فحصها،أضع السماعة على صدرها وأخبرها أن تأخذ نفسا فتهمهم وقد ضمت حاجبيها ثم تنطلق في الضحك وتعود إلى ضمهما مرة أخرى وهي تقول:((ااااوجع))..إنها مصابة بالألزهايمر، اسمع أحدهم يقول ذلك فأهز رأسي متفهما،أضع السماعة على صدرها مرة أخرى فلا أسمع أي شيء فأحركها تجاه قلبها لتلمس يدي صدرها الضامر فأشعر بالتقزز ولا أسمع شيئا..أتعجب وأنا أتحسس نبضها وأشعر بجلدها شديد البرودة فلا أجده،التفت إليهم لأجدهم يجلسون جميعا بوجوه زرقاء شاحبة ونظرة جامدة لا ينظرون لي،أعود فأنظر إلى العجوز الراقدة فأجد ابتسامة مفزعة واسعة تطل من فمها الفارغ وتنظر في عيني بقوة كأنها تقول:((نعم..الأمر كما تظن))..بعدها تمسك كلا المرأتين العجوزتين بيدي ويأخذونني إلى مقعد قريب وأنا مستسلم تماماً،تناولني إحداهما محقنا ممتلئا بمادة زرقاء داكنة وتقول لي عندما تكون جاهزا،أدس الإبرة في وريدي الودجي وأضغط المكبس،تظلم الدنيا فجأة وأرى العجائز الثلاث يمسكن بخيط رفيع،هؤلاء هن ربات الأقدار الثلاثة،هذه كلوثوهي الغازلة التي تغزل خيط الحياة،ثم لاسيسيس التي تقسم الرزق وأخيرا أتروبوس حاملة المقصات الرهيبة التي تقطع خيط الحياة فلا تتراجع ولا تلين تفتح الشفرات لأقصى مدى استعدادا لأن تطبقها،مرت أمام عيني لحظات كثيرة من حياتي،فكرت أنني سأكف عن الحياة منذ هذه اللحظة،حاول عقلي أن يخفف وطأة الأمر عني كما في الأزمات فعاد خائبا،هي لحظة الحقيقة إذا،لا يمكن لشيء أبدا أن يكون بهذا السوء، أطبقت مقصاتها فازداد الظلام إظلاما،ثم عم هدوء عجيب،هل هذا هو الموت؟أين الجنة والنار والثواب والعقاب؟ما أرعبني أكثر أنني مازلت أملك القدرة على التفكير والإدراك،هل سأظل هكذا للأبد،فجأة وجدتني أنسحب من الظلام نظرت فوجدت شيئا ما يحجز مقصات أتروبوس عن أن تنطبق ثم ارتجت الأشياء بقوة ووجدتني أجلس كما كنت على الكرسي بينما تفتح الطفلة الصغيرة فمي وتنزل به قطرات من الدم من الجرح النازف في معصمها..انتفضت في مكاني وانطلقت مهرولا تجاه باب الشقة ثم إلى الشارع ينظر لي المارة القليلون باستغراب وأنا اتعثر وأنهض،دلفت إلى المستوصف وأنا ألهث بشدة لأجد عم خليل ممددا كما كان وبجواره على المنضدة كوب من الشاي الثقيل والطعام البارد وقطعة من البسبوسة كان قد تركها لي.

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

قصص القرية الغير مكتملة (1)



أعرف كيف أبقى وحيداً..لكنني رغم ذلك أحبك
صمت
نولد ونحن نظن ان آباءنا وأمهاتنا كائنات أبدية..فالأطفال يملكون حقيقة كل شيء
صمت
عندما كنا أطفالا كان يمكننا تقبل فكرة أن المستقبل مشرق ومليء بالمفاجآت..التي لابد أنها جميلة
صمت
******
https://www.youtube.com/watch?v=Riytk96ARlM

صمت
*****

استيقظ ((ركابي))من النوم ليجد ان التمثال الذي أمسى ينحت الأجزاء النهائية منه حتى منتصف الليل أصبح وقد دبت فيه الحياة, يقف عاريا في الزاوية التي تركه فيها بالامس وعلى وجهه نظرة ذاهلة. في البداية ظنه لصا ما ولكن ها هي التفاصيل الدقيقة التي أمضى ليال طويلة يصقلها بينما يطالع نفسه عارياً في مرآة بطول الحائط,نظر إلى نسخته يحاول استيعاب ما يحدث,لقد خلق هذا التمثال على شاكلته وأضاف إليه ما تمناه في جسده يوما ما,كان قد أضاف أجزاء من جثث متعددة ثم قام بتثبيتها بالجص وصنع هيكل خارجي يشبهه وقام بطلائه فبدا الشكل النهائي أكثر تناسقا ولم يحتج الخيوط الجراحية والتي كانت ستخلف ندوباً قبيحة,لا يعرف كيف دبت الحياة فيه كما لا يعرف كيف دبت الحياة في الخلية الأولى من مليارات السنين,يطالع أمامه الآن النقيض الحي لمسخ فرانكنشتاين.
توجه ركابي إلى غرفته وأخرج حقيبة متوسطة الحجم من دولابه ملأها ببعض الملابس  ثم ذهب إلى حمامه وأحضر فرشاة أسنانه وماكينة حلاقة ومزيلاً للعرق,حمل الحقيبة إلى سيارته وانطلق إلى الصحراء,كان قد صنع هذه النسخة الباردة من نفسه حتى يستطيع أن يعود إلى نفسه القديمة عالية الحساسية,ترك البرودة التي اكسبته إياها سنوات طويلة من الأزمات التي علمته بالتجربة تناولها بموضوعية وواقعية,نجح بالتدريج في تجاوزها ولكن خياله الذي دائماً ما عذبه بالتفاصيل كان قد ذوى وانحسر,,حينها شعر بانه إنسان مفرغ من أي معنى,أو قيمة,كان قد نجح في الواقع وانهزم في عقله,النجاح بالنسبة له يكمن في القدرة على الاختيار اولاً,اختار هو دوما ما فرضته الاحتمالات ولم يفكر ان يسبح عكسها أبداً ليعيش كما تمنى في صباه وشبابه,أن يعيش ليتذوق الجمال ,أن يتخلص مما رضخ له من قواعد وقوانين في حياته الخاصة تحت ضغط المجتمع حتى يكون مقبولاً قادرا على التواجد به بينما يتمزق هو من الداخل ويرى السنين تنسال من بين يديه, حتى اللحظة التي دبت فيها الحياة في هذا التمثال فقرر ألا ينتظر أكثر..حمل حقيبته وخرج إلى عائدا  إلى قريته.
صمت
*****
https://www.youtube.com/watch?v=wwNAwkulMF0
صمت
*****

في قريتي كانت هناك نخلة..هذه النخلة ليست بطويلة وليست بقصيرة ولكن ثمارها شهية..شهية جدا..لم آكل منها من قبل لكن الحكايات عن ثمراتها لم تنته أبدا..عن قشرتها الرقيقة الناعمة المخضبة بالأحمر التي تنكسر برفق وسهولة بضغط خفيف من أسنانك لتسيل حلاوتها في فمك فيغيب عقلك..عن استدارة جذعها بخفة ورشاقة..عن غزارة سعفها وليونته وتمايله شوقا..عن عنقودين كبيرين يتدليا منها ناهدين مستكينين في دعة يمامتين وخفة فراشتين وقوة مهرتين..لكي تصل لهذه النخلة هناك عدة مشاكل.. هي بعيدة..وحيدة..يحرسها نفر من الجن أقنعها أنها له وحده..هو وحده هناك ليستمتع بعسلها ولبنها..تقع في منتصف أرض غزيرة الغاب استوطنها الأفاعي والزواحف..والطريق إليها يمر بالمقابر المليئة بوحوش كلاب القرية والأرواح المضطربة التي لا تهدأ ولا تجد لها مستقرا..دعوت الله أن يحولني إلى طير فأحلق إليها لكنه حولني إلى سمكة بلطية كبيرة رائعة الجمال فاستطعت أن أصل إليها عن طريق الترعة التي تمر بجوارها ويسقط فيها تمرها..فالآن أستطيع أن أراها ولا أستطيع أن آكل منها
صمت
******
https://www.youtube.com/watch?v=WRSEpS2veCI
صمت
******
 
سأحكي أنا هذه القصة فاستمعوا إليّ..عندما كنت طفلة صغيرة لم تتجاوز السابعة حدثت لي..ذات ليلة استيقظت من النوم فلم أجدني في سريري..اتلفت حولي فلا أجد أبي ولا أمي..أدرت رأسي وعلى ضوء لمبة الجاز الخافت استطعت أن أرى أخوالي ينامون هنا وهناك على الأرض وفوق كنبات في أركان الحجرة..تملكني هدوء عجيب..كأنني أحلم..نهضت..جذبت شال جدتي الأسود الكبير ولففت به جسدي....كان الدوار الكبير المبني من الطوب النيء دافئا رغم برودة الجو بالخارج..حملت خفي وخرجت من بابه الضخم ووقفت أرمق الجرن الذي يقع بين بيت جدتي وبيتنا والبيوت الطينية المتراصة على جانبيه..شعرت بالبرد يزحف إلى ظهري وجانبي فضممت الشال أكثر واكثر وانا أرى كل الكائنات من قصص جدتي تنتشر في أركان الجرن الواسع..كالمسحورة تقدمت..في بدايته كان يقف المارد وهو جني ضخم طويل القامة..وقف ينظر لي من اعلى وجسده يشع بضوء شاحب..ضحك لي فرأيت أنيابه القوية تلمع في ضوء القمر فأغمضت عيني وتابعت المسير فلم يمسني بسوء..بعدها رأيت في ركن الجرن البعيد حورية رائعة الجمال تشع ببريق كاللؤلؤ وعينين  زمرديتين في لباسها الأبيض الطويل تقف هناك على حافة الجرن تنادي باسم أحدهم وتكرره وتكرره..وعندما خرج إليها كالمسحور استطالت واستطالت كالأفعى ومدت عيون حمراء وأنياب قاطعة إلى رأسه فالتهمتها في لمح البصر..في أحد الأركان رأيت بشريا عاريا منحنيا على شيء ما..عندما اقتربت منه استطعت أن أرى ظهره الأحدب وجلده السميك المجعد..إنه غول كما وصفته جدتي..لم أحاول النظر إلى وجهه أو لما يأكله فأنا أعرف ما سأراه..استدرت لأجد فتاة  صغيرة ملتفة في شال أسود تقف في مواجهتي..أتحرك فتتحرك  ألوح بيدي فتلوح..رأيت لمحة من وجهها على ضوء القمر فعرفت أنها قرينتي في العالم السفلي..أسرعت الخطا مبتعدة عنها ولففت حول كومة كبيرة من من القش تغطي أقفاصا حديدية بداخلها أطفال صغار من خلفها تل عال من الأتربة تجلس عليه أمنا الغولة ترتدي السواد ويغيب وجهها في ظلال غطاء رأسها الاسود تمد يدا مخلبية تجاه أحد الأقفاص لتفتحه..فزعت فهرولت تجاه باب دارنا..تسللت إلى الدار من شباك استطيع أن أمد بيدي الصغيرة لافتحه من الداخل وأنا أشعر بيد أمنا الغولة تقترب ثم اغلقته خلفي بقوة وهرولت إلى غرفة أبي وأمي ودخلت إلى حضن أمي الدافيء.

صمت


******
 
عندما تقون بطعن أحدهم في الصدر فلا تترك السكين هناك قبل أن ترحل.. وعندما يقوم غراب بنبش أحد القبور الواقعة على أطراف القرية فلا تترك القبر مكشوفاً..لا تترك قطرات من المياه تتسرب إلى الجثة الراقدة أسفله....حين كنا صغاراً كنا نذهب إلى بيت الجدة العجوز لتحكي لنا تلك الحكايات المرعبة..تحكي لنا عن الحورية رائعة الجمال التي كانت تتبدى لشباب القرية في الخلاء ليلا بينما يقومون بري أراضيهم أو بحراسة شونة الغلال ثم يسيرون وراءها كالمسحورين فيجدونهم في الصباح غارقين في الترعة القبلية دون جلودهم..تحكي عن الذئب الذي جلس أسفل شباكها في ليلة ما يتكلم بلغة غريبة شيطانية فاستيقظت لتجد نفسها وقد عادت شابة مرة أخرى ولكنه عاد ليطالبها بالثمن..تتسع عيناها الضيقتان بشدة ونحن نسألها فاغري الأفواه عن هذا الثمن فلا تقول لنا أبداً..تحكي عن رجال القرية الذين خرجوا إلى الصحراء القريبة ومعهم شيوخ يخاطبون الجان بحثاً عن المقابر العامرة بالكنوز فاستيقظت زوجة كل منهم في يوم ما بعد شهر كامل  لتجد جثة زوجها الخالية من الدماء ترقد بجوارها..كانت تحكي لنا كل هذا وأكثر وكان لديها معيناً لا ينضب من هذه الحكايات.
كانت هناك كذلك قصة ذلك الإقطاعي القديم الذي كان يمتلك القرية وما حولها..كان رجلاً وسيما قويا يمتلك شاربا ضخما ليس له مثيل..عندما كان شاباً كان يشق الطرقات الزراعية كل صباح عاري الصدر على ظهر جواد دون سرج وكن جميعا يرمقنه بنظرات الإعجاب من وسط الحقول..المهم أنه في أحد الأيام أعلن الفلاحون عصيانا عليه بعد أن اشتد الفقر والجوع عليهم ولم يعودوا يجدون حتى ما يطعمونه لأطفالهم..قام بتعذيبهم بشدة وحتى الموت لكنهم لم  يستجيبوا بل أنهم قاموا بقتل بعض الخفر وحرق المحاصيل ومخزون الغلال وتجرأوا وهاجموا سراي الباشا الكبير..وفي ليلة سوداء كالكحل غاب عنها القمر خلف سحب كثيفة انطلق الخفر يقتحمون بيوت أهل القرية ينتزعون الأطفال من أحضان أمهاتهم بينما قام آخرون بتعليق المشانق في الأشجار المحيطة بساحة القرية..كانت عشية العيد وقد خلد هؤلاء الأطفال للنوم وهم يحلمون بملابسهم الجديدة وألعابهم التي سيحصلون عليها في الصباح..فزعت القرية بأكملها خلف أطفالها وتبعوا الخفر وهم يصرخون ويولولون ليجدوا الباشا الكبير يقف في منتصف الساحة وأسفل شاربه ابتسامة مقت ومن عينيه تطل كل شرور الدنيا وقد طوق الخفر الساحة وهم يحملون المشاعل والأطفال يقفون في أحد أركانها يبكون ويرتعدون بشدة..لم ينطق الباشا بكلمة واحدة وإنما اشار برأسه فاقتاد الخفر الأطفال وكان عددهم إثنا عشر إلى المشانق القريبة وأحاطوا رقابهم الصغيرة الضعيفة بحبالها الغليظة بعد أن أوقفوهم على كراس عالية من الخشب..ارتفع صراخ اهل القرية وتعالى النشيج والبكاء وهم ينظرون إلى الأطفال الذين تطل من عيونهم نظرة غير فاهمة وأخذوا يتوسلون ويعتذرون ولكن الباشا أدار وجهه إلى الأطفال وأشار إلى الخفر ليسقط إثنا عشر كرسيا ويتدلى إثنا عشر طفلا من الأشجار يهتزون بعنف كالدجاج المذبوح حتى تسكن حركتهم تماما وقد ضاقت العقد حول رقابهم..في هذه اللحظة ارتفع صراخ امرأة عجوز مكسوة بالسواد ويتناثر شعرها الأبيض الأشعث على جانبي رأسها من أسفل غطاء رأس ممزق :((ملعون !..ملعون أنت ونسلك !))..ثم بدأت تتكلم ببطء:((سيستيقظ هؤلاء الأطفال عشية يوم العيد..سيستيقظون ليستعيدوا فرحتهم التي سلبتها..عندما يعبر غراب أسود على قبورهم ويقوم بنبش أحدها..عندما تسقط قطرات المطر لتشق رحم الارض وتتسرب إلى أجسادهم..عندها..سيعودون))..كانوا يلقبون هذه المرأة بالمبروكة وكانوا يخشونها كثيرا ويعلمون أنها تمارس السحر وتتصل بالأرواح..كانوا يعلمون هذا ولكن الباشا لم يكن يعلمه..قال: ((ابتعدي من هنا أيتها المرأة المخرفة..ابعدوها))..ولكنه رأى النظرة التي كانت تطل من عينيها..كانت نظرة مخيفة وصادقة لو كان لك ان تقول هذا..فزع الباشا وارتبك بشدة ثم هرع إلى حصانه وامتطاه وانطلق إلى السراي الكبير بسرعة كبيرة..بعدها أمر أن يتم دفن الجثث في مكان جاف وأن يتم بناء سقف فوقها لمنع الأمطار من الوصول إليها..كذلك امر الخفر بأن يقوموا بقتل جميع الغربان في القرية فأقاموا المصائد في كل مكان وانطلقوا يقتلونها ببنادقهم وقاموا بفرض حراسة شديدة على المقبرة خاصة ليلة العيد..لم يحدث أن شوهد غرابا يحلق فوق هذه القرية لزمن طويل وكان يتم تجديد سقف تلك المقبرة المنعزلة على اطراف القرية باستمرار حتى لا تصل مياه الأمطار إليها..استمر الأمر لأجيال وأجيال حتى بعد موت الباشا بعد ان ظل الشعور بالذنب يعذبه طوال حياته وهو يتخيل جثث هؤلاء الاطفال تحيط به وتبدأ في إنزال لعنتها عليه بأبشع الطرق وتابع أبناؤه وأحفاده تنفيذ ما بدأه ولكن الاجيال الجديدة منهم نسيت الأمر وآخرون قالوا أنها خرافات وتزوجوا واختلطوا بأهل القرية وبعد زمن طويل لم يعد أحد يعلم أين دفن هؤلاء الأطفال بالضبط أو حتى يهتم بقتل الغربان التي تحلق فوق القرية.
صمت

*******
https://www.youtube.com/watch?v=wsQ01UF1Ni0
صمت

الخميس، 29 سبتمبر 2016

المدينة المشوهة: مسز روبنسون 1 (الحلقة الثانية)


ما أراه في خيالي,ما أشعر به من حزن مقيم أو فرحة غير مبررة وتلك الحاجة للتسامح مع الذات من أجل الاستمرار,ذلك الجمال الذي يثير في النفس كل المخاوف يطالعني في بداية كل أمسية من شرفتي المطلة على ميدان المحافظة,الأفق الأحمر خلف تمثال أم كلثوم والأشجار تتمايل في الميدان مع لسعة خفيفة من البرد,موسيقى بحيرة البجع تتسرب من الداخل, أمامي كوب من الشاي الثقيل الساخن وفي يدي أجندتي القديمة أكتب,أكتب دون هدف وإلى حيث يأخذني ذهني,متى لا يتحول الأمل إلى خيبة,لماذا لكلمة الأمل والألم نفس الحروف,أعني كإنسان كيف أعرف أنني سأنجو واحتمل إذا لم اختبر,إذا استيقظت غدا لأجد الدولة قد انهارت واختفت,عندما أسير وحيدة في شارع مظلم ووقت متأخر مع احتمال أن يظهر هذا الشخص فجأة من اللامكان ليغتصبني ويشوه وجهي واضطر لمواجهة الحياة بعدها,أن أعبر الطريق لتصدمني عربة ما بقوة فأموت أو لا أموت,إذا أصابني أنا بالذات مرض مميت غامض ليس له علاج بعد,أن يقرر أحد أعضائي الحيوية التوقف فجأة عن العمل,هذا يحدث للكثير من البشر فلماذا لا يحدث لي,عندما أمر بلحظة سعيدة أجدني رغماً عني أفكر في الموت, وأنه ليس مخيفًا إلا لمن يحذوه الأمل بأن يحيا حقاً يوماً ما,ها أنا أجلس هنا وحيدة في الظلام أرتدي قميصاً وبنطلوناً للتعرق واسعين حافية القدمين,عندما أقول أنني وحيدة فأنا أعني ذلك,أعني أن معظم علاقاتي من هذا النوع القوي لكنه مؤقت,هذا الشاب الفقير الذي يصغرني والذي قريبا سيتزوج وينتهي هذا الشيء بيننا,هذا الرجل في منتصف العمر نتفاهم جيداً ولكنه لا ينظر لي بهذه الطريقة..روايات دوستويفسكي في الشتاء بينما تمطر بالخارج وموسيقى كلاسيكية تتسرب من الراديو وأنا شابة صغيرة نحيفة أتمدد على أرضية الغرفة في الصالة الواسعة,والدي يقرأ جريدة الأهرام مرتدياً روبه الصوفي في الشرفة وأمامه فنجان من القهوة المركزة ذات الرائحة المنعشة والشارع الهاديء يتحرك بالأسفل يرفع رأسه تجاهي ويبتسم بحنان.هذه الشقة هي كل ما طلبته وكل ما حصلت عليه بعد وفاة والدي,والدي الطبيب الشهير ابن البكوات,تزوجت والدتي بعد موته بشهور وتركتني وحيدة في هذه الشقة وهو كل ما تمنيته يوماً,أن أحصل على مكاني الخاص,هذا المكان بالتحديد.

قصر إبراهيم بك الشناوي يواجه شقتي عند تقاطع شارع الجيش وقناة السويس وقد تحول هو نفسه إلى مقر لمديرية الأمن يوماً ما ففقد جماله,إبراهيم بك الشناوي ابن محمد باشا الشناوي العضو السابق بكل من مجلسي الشيوخ والنواب والعضو البارز بالوفد وأحد المقربين من الزعيم التاريخي للوفد سعد باشا زغلول ,محمد بك الشناوي أكبر أثرياء المنصورة والذي عاش بقصر آخر هو قصر الشناوي الذي كان يطل على النيل قبل أن تحاصره تلك الكتل الأسمنتية الخرسانية القبيحة التي شيدت على جسد النيل بعد ردم أجزاء منه القصر يقع حاليا مهملاً في شارع الجمهورية ,بدأت أعمال البناء به عام 1928 وانتهت في1930,القصر مبني على الطراز الإيطالي وتبلغ مساحته 4164 متر مربع, وهو مكون من بدروم وطابقين وتم استيراد السلم الذي يربط بين الطابقين بكامله من إيطاليا,سر جماله الحقيقي أنه شيد من الخشب المعشق بدون أي مسامير, ملحق به حديقة وملاعب تم سلبها والبناء عليها,القصر تم تشييده على يد مهندسين وعمال إيطاليين,حصل القصر على شهادة من موسوليني شخصياً كأجمل قصر تم تشييده خارج إيطاليا بيد إيطاليين  .حكى لي والدي أن هذا القصر قد استقبل سعد باشا زغلول ومصطفى باشا النحاس بحضور جدي وأنه قد حضر بنفسه عندما غنت به أم كلثوم في حفل زفاف زكي بك الشناوي,كان جدي مدعواً دائما إلى الحفلات التي كان يقيمها محمد بك ثم ابنه زكي بك ودائماً ما اصطحب أبي إليها وهناك التقى بأمي التي كانت ابنة أحد كبار الملاك بمركز نبروه.استقبل القصر كذلك محمود باشا النقراشي رئيس الوزراء, وكذلك أحمد باشا ماهر, وقد حضر به إبراهيم باشا عبد الهادي رئيس الوزراء جنازة المرحوم زكي الشناوي عند وفاته.
كنت قد غافلت الحارس وتسللت ذات مرة إلى هذا القصر مع شاب التقيته في ليلة ما وكنت ثملة للغاية ,مارسنا الجنس على أرضيته المتربة وأنا اتأمل اللوحات الزيتية على السقف المعلق على ضوء السيارات والمحال الخافت الذي يتسرب من خصاص النوافذ ,أتذكر أبي والدنيا تدور بي,تجولنا بعدها في جنباته على ضوء ولاعتي وهو يتبعني غير مكترث,تأملت اللوحات الزيتية والتحف التي كستها أتربة كثيفة والحوائط المتربة ذات اللون العاجي الباهت,كان لضوء النيران تأثيراً أحببته دائماً,صعدنا إلى الطابق الثاني على السلم الإيطالي الشهير ودخلنا إلى إحدى أجنحة الإقامة,على ضوء ولاعتي رأيت صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود في برواز فخم أعلى سرير خشبي عريض ,طلبت منه أن يمارس معي الجنس ثانية في غرفة زكي بك الشناوي التي نام فيها مع زوجته للمرة الأولى .

الابنة الصغرى التي نسيها الجميع ونسيتهم,الابنة متوسطة الجمال التي لم تتزوج رغم الحسب والنسب والتي شكلت عبئاً على الجميع,وحيدة في هذه الشقة الواسعة مرتفعة الأسقف والنوافذ الواسعة على الطراز الإنجليزي والتي هي نفحة حقيقية من الزمن القديم,مدفأة صغيرة من الرخام الأبيض في صدر الصالة يعلوها وجه روماني منحوت في أربعة أشكال من عدة زوايا في الجزء البارز منها قد علقت الأتربة بثناياهم ولوحة زيتية كبيرة تحمل صورة جدي بالزي الملكي الرسمي وثريا فخمة مغبرة تحلق في فضاء عريض من التحف واللوحات والمقاعد كلاسيكية الطابع,في أوائل الأربعينات من عمري أستطيع أن أتحمل تكاليف حياتي بالكاد ولكنني أملك شقة كهذه ,هذا هو النصر الوحيد في حياتي.

على مقربة من منتصف الميدان أيضاً يقع مسجد النصر ككاتدرائية تحاول التظاهر بالقدم والعراقة رغم أنه شيد عام 1954ويظهر من بعيد تمثال رمسيس الثاني الذي وضعوه حديثاً في مقابل الاستاد الرياضي,تبدو هذه الشوارع الرئيسية أنيقة نوعاً ما ولكنك تدلف يميناً أو يساراً فيغمرك القبح والتشوه الذي يسكن الشوارع الداخلية لهذه المدينة,كالصراصير تزحف على الميادين والشوارع الرئيسية في الصباح ثم تعود إلى مكامنها في المساء,أعمل موظفة بقصر الثقافة محاطة بمجموعة من الاشتراكيين والناصريين ضيقي الأفق المصابين بالبارانويا تجاه كل شيء بالإضافة إلى مجموعة من الجهلة غير المؤهلين حتى لتنظيف المكان,أنا المرأة الوحيدة الغير محجبة في المكان,هذا جعل الكثيرين يحاولون التقرب مني,السيدة الوحيدة المتقدمة في السن التي يبدو عليها لمسة رقي واضحة وعز زائل والتي تسربت عنها قصة أنها عاشت رفيقة لإحدى قادة الحركة الطلابية اليسارية في السبعينات,كانت هذه مرحلة عشت فيها وحيدة بالقاهرة وآمنت بمباديء ما احتقرتها بعدها بشدة,الحركة الشيوعية وباء يجب التطهر منه متى ظهر أولاً بأول.

كنت قد عدت من عملي مبكراً فاليوم هو الخميس,تناولت الغداء وحصلت على قيلولة طويلة استيقظت بعدها لأعد الشاي واجلس في الشرفة أكتب هذه الكلمات وانتظر هذا الشاب,أراه من الشرفة يتحرك في الميدان ليعبر الطريق وسط طالبات المدارس بزيهم الموحد, القميص الأبيض والجوب الكحلي,ينظر لأعلى,يراني فيبتسم,أرى البواب ينظر إليه في استياء ثم يرفع رأسه تجاه شرفتي ويعيدها هو يهزها يميناً ويساراً.أنا مسز روبنسون من فيلم the graduate ولكن لم يوجد يوماً مستر روبنسون,السيدة المتزوجة المتقدمة في السن التي تحاول امتصاص حيوية وقوة هذا الشاب اليافع ونضارته,لم أتزوج يوماً ما ولكنني عشت كذلك,نحن السيدات الاكبر نكون يائسين,سهل الحصول علينا,شاكرين.عندما سألته عن سر تعلقه بي اجاب أننا الأكبر في السن نعرف جيدا ما نريد,النساء في سني يكونون أكثر جرأة,مستثارين دوماً,عظماء في السرير وأكثر مغامرة,في رأيي أنا هم ينبهرون بتلك العلاقات القصيرة التي لا تحمل أي التزامات بدون أي مشاكل أو احتياجات تفرض عليهم ولا يستطيعون اشباعها,ربما هذه المشاكل نفسها هي التي انكسر لها قلبهم من قبل مع فتيات أصغر,ياللمساكين,يخبرني أن الحديث معي أسهل,أنني أستطيع التعامل مع الأمور بقدر كبير من الحكمة والنضج ولا أشعره بأي ضغوط,كل هذا يمكن أن يكون صحيحاً ولكنه بالتأكيد قد شاهد الكثير من الMILF porn.

استقبلته على الباب بقبلة طويلة ثم توجهت إلى الداخل,حصلت على دش دافيء سريع وارتديت ملابس داخلية بيضاء وروباً أبيضاً شفافاً وأبقيت شعري مبتلاً دون ان أصففه كما يحب,وعندما عدت للصالة وجدته قد أشعل المدفأة وجلس أمامها متربعاً يحمل في يده كأساً من النبيذ الأحمر من الزجاجة بجانبه وبشرته السمراء تلمع عاكسة وهج النيران.

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2016

في عيادة الأطفال


في عيادة الأطفال العامة والرسومات على الحائط للمأمور وودي والديناصور ركس ومستر بطاطس والمخلوق الفضائي ثلاثي العيون لا تتناسب مع هيئة الأمهات بملابسهم الرخيصة وخليط الجهل والفقر الذي يبدو على ملامحهم غير المتكلفة, يحملون أطفالهم أو يمسكون بأيديهم في ملابس مشابهة ووجوه شاحبة مسمومة وإن اشتركوا مع أمهاتهم في النظرة البلهاء ,هناك صفة مشتركة بين الجميع هي غياب التناسق بين أجزاء الجسد,غياب التناسق في الملامح,تجد طفلا هزيلا برأس كبيرة وعيون جاحظة وآخر بأسنان بارزة وجذع أطول من ساقيه,تدخل سيدة قصيرة جدا يصل ابنها ذو الاربع سنوات إلى مستوى صدرها وأخرى ممتلئة جدا تحمل رضيعها فيبدو كزائدة دهنية تبرز من كتلة بروتينية عملاقة,غياب التناسق يعني غياب الجمال,وهل أكون عنصريا إذا وصفت هذه المخلوقات بانها ليست جميلة بالشكل المعتاد؟,أتساءل رغما عني هل هذه الكائنات ليست جميلة ومريضة لأنها فقيرة أم العكس؟ لماذا يبدو على معظم الأغنياء والأذكياء أنهم يحملون صفات جينية أفضل وقابلية أقل للمرض,على الأقل المرض الوراثي؟
تدخل سيدة سمراء طويلة تتحدث بلهجة بدوية تحمل رضيعها المصاب بفشل تام في إحدى كليتيه وقصور في وظائف الأخرى وتأخذ وقتا طويلا لتفهم أسئلة الطبيبة,تبدأ لهجة الطبيبة في التحول مع نفاذ صبرها من بطء وقصور تفكير السيدة وتتحول إلى كولونيالية واضحة ذكرتني بأحد الموظفين العموميين أثناء حكم محمد علي عندما حاولت تلك السيدة الجلوس في أحد الأركان وأخرجت ثديها محاولة إلقامه صغيرها,لدى هذه السيدة طفلان آخران فإذا فقدت هذا الطفل فلا مشكلة,أعتقد أنك كطبيب يجب أن يصيبك هذا التحول,أن تكون منطقيا وعلميا,أن تفهم أن الأطفال مجرد كرات من الدهن اللزج تم الدفع بها إلى هذا العالم حفاظا على النوع, وأنها تكتسب الحق في الحياة عندما تمتلك وعيا وإدراكا,ثم أنه هل يجب السماح بجينات كهذه بالبقاء أصلا؟


يقابلني صديقي بالصدفة فأقول له أن أفضل تشبيه يتملكني لحالتنا بعد انتهاء الكلية هو أننا كالعبيد التي عندما أصدروا قوانين تحريرها لم يستطيعوا أن يعيشوا بعيدا عن سادتهم فعادوا إليهم,حولتنا سنوات الطب السبع إلى عبيد الضغط والمسئولية والنظام والكتب والمذكرات وأهواء الأساتذة فعندما أطلقونا لم نعد نعلم ماذا نفعل غير هذا فإما أن نعود لمزيد من العلم والدراسة وإما الضياع وغياب الهدف,يقول لي:مثل ذلك الرجل العجوز الذي خرج من سجن شاوشانك بعد خمسين عاما فيه,فأقول:بالضبط..ولا تنسى أنه قد شنق نفسه.

حلم 9

-أنا الذي كنت مصمما على الحياة ولو حتى في مكان لا يتسع إلا لموطيء قدمي..ماذا حدث لي! 
=أصبحت كئيبا عندما قررت أن تكون عاديا
-ومن أدراك أنني لست كذلك؟!
=احتمال..ولكنك لا تجد راحتك في أن تكون عاديا
-أنا الذي دائما ما أدرت وجهي عن الحقيقة
=أصبحت كئيبا لأنك تشعر بأنك اقتربت أكثر من اللازم من الحقيقة
-أنا الغائب عن الوجود الفاقد للإرادة 
=أنت المترفع عن الوجود الذي أنهكته إرادته
-أنا الذي قضى حياته مبتعدا عن الإثارة الرخيصة فأصبحت هي حياتي
=مازلت تحتقرها لكنك تحتاج أن تعطي معنى ما لحياتك حتى وإن كان رخيصا
-ولماذا لم أعد استمع إلا لموسيقى صاخبة؟!
=هي تغطي على الأصوات المنبعثة من عقلك
-هذه الأصوات مؤلمة
=لأنك لم تعتد أن تفقد السيطرة
-لتحصل على سمكة المارلين العملاقة لا بأس أن تتركها تعبث بقاربك قليلا
=صحيح. ولكن لا تترك روحك معرضة للقروش تنهشها
-الكنز يستحق 
=الصياد يستحق أكثر
-وماذا سيكون طعم الحياة إن لم أحاول
=إذا فلا تجلس هناك على الشاطيء تتباكى على ما لم تحققه بعد

حلم 7

والبحر الأحمر يبدو حقيقيا أكثر من المتوسط ،أو ربما هو الظلام وخيوط القمر الفضية التي تتسرب فلا تستطيع السحب المنخفضة أن تمسكها،هناك عند الأفق حافة العالم حيث اختفى رع يلهب الشمس بسوطه فتهرول أمامه،بوسايدون مستلقي هناك يستحم في بقعة من ضوء القمر والمياه تبدو هادئة فلابد أنه رائق البال،غمرني سكون حذر والنوم اللذيذ يداعبني فاستسلم للحظات ثم لا استسلم،تلوذ عيناي بالجبال القريبة فهي توحي بالأمان والطمأنينة حيث لن يصل إليك الطوفان، هكذا ظن ابن نوح ولابد أنه كان مطمئنا حتى لحظاته الأخيرة،يبدو البحر حقيقيا أكثر من الحياة،له وجود راسخ وحضور قوي،لا نملك إلا أن ندلله وأن نقدم له القرابين فإذا غضب فالويل لنا،ربما نروضه يوما إذا استطعنا أن نضربه بعصا فينشق،أو هكذا أظن في هذه اللحظة.